الاثنين، 8 نوفمبر، 2010

لماذا تصمتين عند تعرضك للعنف ؟

لماذا تصمتين عند تعرضك للعنف ؟!!

كان وجه طفليها آخر ما رأته عينا الثلاثينية ريما قبل ان يقدم زوجها الاربعيني على ضربها دون رحمة وحرقها بالكامل ثم وضعها تحت الماء بحوض الاستحمام للتسبب باحداث التهابات جلدية قد تسرع وفاتها على حد اعتقاده .

هذه الحادثة رواها والد ريما وكان برفقة ابنته المكلومة التي لم تستطع الكلام بسبب وضعها الصحي محيلة التحدث بشأنها لوالدها الذي يقول ان زوج ريما الذي ارتبطت به منذ حوالي 9 اعوام كان يعنفها بشكل دائم واحيانا بلا أي مبرر , وصبرت على عنفه على امل ان يتغير فداء لعيون طفليها .

ويضيف ان الحادثة وقعت في احدى دول الاغتراب التي ذهبا اليها بعد ان كانا يقطنان احدى ضواحي عمان , وفي يوم الحادثة كانت طلبت ريما من زوجها ان يقدم لها اوراقا ثبوتية لاقامتها في ذلك البلد فرفض قائلا : انا تزوجت غيرك وساستقدمها ولا من اوراق لك .

وبعد مشادة كلامية اقدم على حرقها وغابت عن الوعي لمدة سبعة اشهر قضتها في العلاج من اثار الحروق التي وصلت نسبتها ل 95 بالمئة من الدرجة الثالثة وفقا لتقارير طبية , فيما تكلفت السلطات القضائية في دولة الاغتراب التحقيق بالحادثة لمعاقبة الجاني .

وتعاني ريما الان من مضاعفات صحية خطرة اثر الحروق البالغة التي تغطي كامل جسدها وتحتاج الى عمليات ترقيع للجلد وتجميل لا تستطيع تحمل تكاليفها الباهظة , كما انها تحتاج الى عمليات جراحية تمكنها من تحريك مفاصل يديها التي فقدت القدرة على تحريكهما بشكل كامل , اذ تتولى والدتها القيام باطعامها حيث لا تتمكن ريما من ايصال يدها الى فمها .

وتطرح قضية هذه السيدة وعشرات من القضايا المشابهة تساؤلا مفاده : لماذا تصمت السيدات على العنف الممارس ضدهن ولماذا يسكتن عما يتعرضن له من عنف بالغ حتى يصلن الى مراحل لا ينفع معها الندم مترافقة واثارا سلبية نفسية وجسدية واجتماعية خطيرة لا تعالج بسهولة .


متخصصون واكاديميون يدعون الى ضرورة الافصاح عن العنف وعدم السكوت عليه وابلاغ الجهات المعنية بحماية المعنفين للتصدي لظاهرة العنف ضد النساء , ولا سيما ان هناك ما اطلقوا عليه اسم ( الرقم المظلم ) الذي لا تستطيع معه الجهات المعنية تحديد حجم مشكلة العنف وحصرها ضمن ارقام واحصاءات بسبب عدم الافصاح عنه او الخوف من ذلك لاسباب مختلفة . وفي معرض تحليله لسكوت النساء عن العنف يقول مستشار الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان ان كثيرا من النساء المعنفات يسكتن عن العنف في محاولة للحفاظ على أسرهن بيد ان الحال وللأسف ينتهي بهن الى عاهات دائمة أو تشوه جسيم أو حتى الوفاة , متسائلا لماذا تسكت المرأة رغم تعرضها للعنف بشكل متكرر ؟.

ويوضح ان بعض النساء يترددن في طلب المساعدة عقب تعرضهن للعنف، بسبب تقبلهن لثقافة سائدة في المجتمع تنظر للعنف على أنه نمط مقبول يقوم به الرجل لتفريغ الإحباط أو الغضب مضيفا ان شيوع المعايير الإجتماعية التي تتوقع من المرأة أن تكون سلبية تعد سببا اضافيا لسكوتها عن تعرضها للعنف .

ويضيف وهو الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة ان بعض النساء يتقبلن تعرضهن المتكرر للعنف ولا يقمن بأي خطوات لحماية أنفسهن لانخفاض مستويات إدراكهن بانهن يعشن علاقة عنف مع ازواجهن بسبب تعرضهن للعنف الجسدي أو النفسي خلال طفولتهن أو مشاهدتهن لعنف أسري سابق ويعتقدن أن هذا العنف هو مُركّب مقبول في بيئة الحياة التي يعشنها .

وينوه الدكتور جهشان الى ان العنف ضد المرأة مذل ومرتبط بوصمة إجتماعية، وعادة ما تكون المرأة مترددة لمناقشة مشكلتها مع أي شخص قد ينتقدها أو يشعرها بأنها تستحق الإساءة او يلومها بسبب بقائها مع زوجها العنيف .

ويتابع : ثمة نساء يكن أسيرات في منازلهن ويعشن عزلة إجتماعية كاملة، كما ان بعضهن لا يملكن المال ولا يتوفر لهن أي وسيلة للمواصلات ويخشين مغادرة المنزل مبينا ان النسبة الحقيقية لشيوع العنف ضد المرأة غير معروفة على وجه الدقة لاسباب مختلفة منها ان نساء يسكتن على العنف مختلفة منها ان نساء يسكتن على العنف الممارس ضدهن فكيف سيعرف انهن يعشن واقع العنف .


وتشعر بعض النساء بالخوف من أن البوح بمشكلاتهن سيهدد سلامتهن الجسدية او يعرضهن للمزيد منالعنف كما يلفت الدكتور جهشان حيث ان بعضهن يخفن من ان يؤدي طلب المساعدة من الاخرين الى تهديد أمنهن الاقتصادي وبالتالي قد يقضي على سبل دعمهن لكون الزوج هو المصدر الوحيد لرعاية المرأة وأطفالها من الناحية المادية .


ويوضح ان بعض النساء لا يطلب المساعدة على أمل ان يتحسن سلوك المعنف أو يتغير وبعضهن يعتقدن أنه من الواجب عليهن حماية ازواجهن حتى وان مارسوا العنف بحقهن لافتا الى ان بعضهن لا يدركن أن الأعراض النفسية التي يعانين منها ناتجة في حقيقة الامر عن العنف أو يعتقدن أن ما تعرضن له هو إصابات بسيطة لا تستحق العلاج او الشكوى.

ويرى ان نساء لا يطلبن المساعدة عقب تعرضهن للعنف بسبب عدم معرفتهن بوجود جهات تقدم الحماية للمعنفين مشددا على اهمية التدخل المبكر لحماية المرأة من العنف الذي من شأنه الحيلولة دون تكراره ومنع عواقبه وآثاره السلبية سواء اكانت نفسية او اجتماعية او جسدية مبينا ان العنف ضد المرأة ليس أمرا حتميا ، بل هو مشكلة يمكن الوقاية منها ومن عواقبها المدمرة .

ويؤكد على ان الدولة هي الضامنة لحقوق مواطنيها وهي المسؤولة بموجب القانون الدولي عن انتهاكات حقوق الإنسان على أراضيها بما فيها حقوق المرأة وان المبادرات التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني أو مبادرات الإصلاح بين الزوجين التي يقوم بها أقاربهما لا تشكل بديلا عن دور الدولة بأي حال من الأحوال في تحمل مسؤولياتها لمواجهة العنف ضد المرأة .

وتشمل مسؤولية الدولة كذلك ضمان التحقيق في الإدعاءات بوقوع العنف ضد المرأة وضمان عقاب المعنف ورد الضرر المادي والمعنوي الواقع على المعنفات , وإنجاز إطار قانوني وسياسي لحماية الحقوق الإنسانية لهن مشيرا الى ان هناك مسؤولية مباشرة على الدولة تتمثل في تعديل المواقف والسلوكيات السلبية لمواطنيها حيث نصت الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة على أنه يطلب من الدول الأطراف أن تعالج أنماط السلوك الاجتماعي والثقافي المؤدية للعنف .

ويشاطر مدير ادارة حماية الاسرة العميد محمد الزعبي الدكتور جهشان فيما ذهب اليه حول صعوبة تحديد حجم مشكلة العنف الواقع على النساء ولا سيما كما يقول ان الادارة تتعامل مع ما يصل اليها من حالات , فيما يوجد هناك ما يسمى ب(الرقم المظلم) وهو يمثل حالات العنف التي تمارس على الاخرين ومسكوت عنها ولا من مبلّغ بشأنها مشددا على اهمية عدم السكوت عن العنف او الرضى به تحت أي ظرف .

ويهيب في هذا السياق بالمواطنين وفي حال رصدوا او علموا او مورس عليهم أي حالة عنف الاتصال على الرقم 911 للابلاغ عن ذلك , اذ سيتم التعامل مع حالات العنف التي ترد للادارة بمنتهى السرية وبخصوصية تامة لضبط الجاني واتخاذ الاجراءات اللازمة بحقه ولحماية المعنف سواء اكان طفلا او امرأة بالطرق الكفيلة بعدم تعرضه مجددا الى العنف بالتعاون مع عدد من الجهات المعنية التي تسهم بدورها بتوفير الحماية والايواء .

ويشدد العميد الزعبي على ان حماية الاسرة وجدت من اجل تأمين الحد الاقصى من الحماية للاشخاص المعنفين لافتا الى ان المطلوب حماية المعنفات قبل تغول المعنفين عليهن منعا لوصولهن الى الحالة التي وصلت اليها السيدة التي حرقها زوجها بعد سلسلة عنف يومية .

ويرتبط العنف بحسب استاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين بالتنشئة الاجتماعية التي تربى عليها الفرد , اذ يتشرب موقفه العنيف من نفسه ومن الاخرين بصورة تعكس ما تعلمه من خبرات في طفولته خاصة في السنوات الستة الاولى من عمره التي تعد بمثابة خزان تنشئة يشكل شخصية الفرد وميوله .

ويوضح ان طبيعة العلاقات الاسرية التي عاشها المعنف على نمط عنفه بدءا من كونه لفظيا او جسديا قد يصل الى حد ارتكاب الجريمة بقصد او دون قصد وهذا ما حدث مع السيدة التي حرقها زوجها , متسائلا : لماذا قبلت تلك الزوجة السفر مع زوجها رغم معرفتها بعنفه؟
ويشدد في هذا السياق على اهمية انتقاء الزوج المناسب ودراسة سلوكياته واتجاهاته النفسية وقدرته على الاتصال مع الاخرين بطريقة حضارية , ويدعو الاباء والامهات الى عدم تزويج بناتهن الى مغتربين لمجرد شعورهم بان هذا العريس لا يعوض او ( لقطة ) بالتعبير الدارج , دون الالتفات الى قدرته على تامين الحياة الكريمة لبناتهم .

والمشكلة كما يقول الدكتور محادين ان دراسات اجتماعية تشير الى ان بعض من يمارس عليهم العنف لا يبدون ممانعة ضده , وكأن هناك تقبلا اوليا به كنمط اعتيادي من انماط العلاقات ومن الملفت وفقا له ان العنف الذي يمارسه اشخاص ضد الاخرين مسكوت عنه لدى البعض ما يدفع المعنف الى تغليظ سلوكياته العداونية طالما ان ليس هناك أي رادع مشيرا الى ان العنف مرتبط ارتباطا وثيقا بتفكك العلاقات الاسرية , وهو لا يهدد الاسر فحسب بل الامن الاجتماعي برمته .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قد تحبين ايضا

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...